محمد هادي معرفة
46
شبهات وردود حول القرآن الكريم
لكن لا مبرّر لهذا الحسبان بعد أن كان لهذه الكلمة أصل عربي خالص ولها سابق التعبير في جاهلية العرب . قال اميّة بن أبي الصلت : سبحانه ثمّ سبحانا يعود له * وقبله سبّح الجوديّ والجمد الجودي - من الجود - : الربوة من الأرض تجود بنباتها إذا أصابها وابل آتت أكلها ضعفين . والجمد : الحزنة من الأرض تجمد بنباتها وتبخل سواء أصابها وابل أو طلّ . قال أبو مسلم الأصبهاني : الجودي اسم لكلّ جبل وأرض صلبة . « 1 » في مقابلة الرخوة أي استقرّت على مرتفع من الأرض غير ذات وحل ، وكانت ذات بركة عليه حينما نزل بها . قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ . « 2 » فأوّل مفاتح البركات نزوله بأرض ذات بركة وجود . وأين هذا من حسبان نزوله في أعالي جبال شامخات ترتفع عن الأرض السهلة بخمس كيلومترات ؟ ! وهل كان نزوله حينذاك بسلام وبركات أم بشقاء وعناء ؟ ! حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ « 3 » هذه العبارة « وفار التنّور » إمّا كناية عن فورة سخطه تعالى بمعنى : وثار غضب الربّ ، كما يقال : فار فائره إذا اشتدّ غضبه . وبنو فلان تفور علينا قدرهم أي يشتدّ غضبهم علينا . قال الشاعر : تفور علينا قدرهم فنديمها * ونفثؤها عنّا إذا حميها غلا « 4 » وهكذا فار تنّورهم أي احتدّ سخطهم وثارت نائرتهم . فمعنى « فار التنّور » : حمى
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج 5 ، ص 165 . ( 2 ) هود 11 : 48 . ( 3 ) هود 11 : 40 . ( 4 ) أساس البلاغة للزمخشري ، ج 2 ، ص 217 . وفثأ القدر - بالثاء المثلّثة - : إذا صبّ عليه ماء باردا ليفتر غليانه .